العودة   منتديات بلقرن > الــساحات العامه > الســاحة العامة
 
 
 

الســاحة العامة للنقاش في جميع المجالات العامه
المنتدى الفرعي :  تـحـت الـمـجـهـر

إضافة رد
 
LinkBack أدوات الموضوع انواع عرض الموضوع
  #1 (permalink)  
قديم 13-Jul-2009, 10:39 PM
الصورة الرمزية عبدالرحمن عبدالعزيز
مشرف ساحة صورتي
عضو الإتحاد الأمريكي لجيولوجي البترول (AAPG)
 



الشيخ عبدالله بن جبرين سيرته وتجربته في الدعوة رحمه الله تعالى

الحلقة الأولى

العلامة الدكتور عبدالله الجبرين .. حياته ومسيرته
أجرى الحوار: د . طارق بن محمد الخويطر

فضيلة الشيخ الجبرين وحوار مع د. طارق الخويطرأكد فضيلة الشيخ الدكتور عبدالله بن عبدالرحمن الجبرين عضو الافتاء السابق أن تكفير المسلمين ذنب كبير وهو مذهب الخوارج الذين يرون الذنب كفراً والعفو ذنبا ولهذا استباحوا دماء المسلمين وأموالهم وقال فضيلته: إن أهل السنة والجماعة لا يكفّرون إلا اذا كان العقل أو القول مجمعاً على تكفير صاحبه؛ وعذرهم في الأفعال أوسع من الأقوال. وأوضح فضيلته أن الاسلام أمر بطاعة ولاة الأمر ونهى عن الخروج عليهم وشق عصا الجماعة، لأن في ذلك منكراً عظيماً وإثارة للفتن واضطراباً للأمن؛ والسمع والطاعة أمر أوجبه الشرع وفيه خير للأمة واجتماع كلمتها وتوحد صفوفها. وشدد الدكتور الجبرين على ضرورة عدم الالتفات الى الفتاوى المغرضة التي يفتي بها الجهال والمغرضون، وحذر من تلقي الفتاوى عن القنوات المشبوهة التى يتولى أمرها من لا يريدون الخير لهذه الأمة، ونصح فضيلته بالتلقي عن العلماء وأخذ العلم والفتوى عنهم.

وقد تضمن الحوار، الذى خص به فضيلة الدكتور عبدالله الجبرين مجلة الحرس الوطني، العديد من القضايا والموضوعات التى تهم الأمة خاصة في هذا الوقت، كما سعدت "الحرس الوطني" بالحصول على جوانب كثيرة من سيرة الشيخ الجليل وحياته العلمية وشيوخه الذين تلقى عنهم وجهوده المعتبرة في خدمة العلم الشرعي، وهو الأمر الذى يتابعه القارئ من خلال عدة حلقات رأينا أن نبدأها بهذه الحلقة التي تتحدث عن بدايات حياة الشيخ العلمية وفتاويه حول قضايا التكفير والخروج على ولاة الأمر وأخذ العلم والفتوى عن الجهال والمغرضين.

سيرة ذاتية


*نود في البداية من فضيلتكم ترجمة ذاتية تكون مصدراً لمن يترجم لكم؟
- الاسم: عبد الله. والنسب: الوالد عبد الرحمن. والجد: عبد الله. وأبو الجد: إبراهيم. وجد الجد: فهد. وأبو فهد: حمد. وأبو حمد: جبرين.
والقبيلة: قبيلة بني زيد. أما الولادة: ففي قرية محيرقة من قرى القويعية، في سنة 1349ه. هذا مختصر الاسم والقبيلة.

الإخوة والأعمام:


- نعم، عندي إخوة، اثنان شقيقان، مات أحدهم في هذا العام، والآخر موجودٌ موفقٌ إن شاء الله، وأما الإخوة للأب فهم موجودون، إخوة من الأب خمسة، أما الأعمام للوالد - رحمه الله - فله ثلاثة إخوة: إبراهيم، وعبد العزيز ومحمد.

تأثرت بوالدي


* هل كان لوالدكم أثر في مسيرتكم العلمية ؟
- الوالد رحمه الله: عبد الرحمن بن عبد الله بن إبراهيم بن فهد بن حمد بن جبرين، كانت ولادته في سنة 1321ه، ولما ولد تربى على يد أبيه، وعلى يد أخيه، الذي ليس هو الأكبر، أخوه محمد أكبر منه بنحو 17 سنة، وكان محمد قد اشتغل بالعلم، وتعلم، ورزقه الله ذكاءً، وفهماً، وحسن تعلم، فكان والدهما قد طعن في السن، فلم يكن متفرغاً لتعليم ولده الصغير الذي هو: عبد الرحمن، فتعلم على يد أخيه محمد بن عبد الله، تعلم القراءة، ثم تعلم الكتابة، ورزق خطًّا حسناً كما رزق - أيضاً - أخوه محمد بخطٍّ جميل، وتوجد رسائل صغيرة بخطوطهما، كذلك لما ترعرع جدَّ في قراءة القرآن، فمحمد - رحمه الله - حفظ القرآن، وكان يؤم الجماعة بعد أبيه أو في مسجد أبيه، يؤمهم جمعةً وجماعة، ويصلي بهم التراويح في ليالي رمضان، ويطيل في القراءة، فتعلم على يده الوالد رحمه الله، وفي ذلك الزمان الحاجة شديدة، ليس هناك دخلٌ ينفقون منه إلاَّ ما يسره الله، فليس لهم حرفة، وليس لهم أملاك تدر عليهم، غالب اكتسابهم أنهم يبيعون على البوادي شيئاً من السلع، ثم بعد خمسة أشهر يسيرون على البوادي ويجمعون منهم قيمة ما اشتروه من: دهنٍ، أو أقطٍ، أو شيءٍ من الأغنام، ويتمتعون بذلك، ويعيشون منه، وينفقون على أولادهم، ولا شك أنَّ هذا قد يحصل فيه شيءٌ من المشقة.
الوالد - رحمه الله - تعلم - أيضاً - الصيد بالبندقية القديمة، التي تسمى ( المقمَّع أوالفتيل ) وقدِّر في أحد الأزمنة أنها ثارت عليه، وعيَّبت يده اليمنى، ولم يعد يكتب بها، فتعلم الكتابة باليد اليسرى، ولما كمل عمره 20 سنة رأى أنَّ الحاجة ماسة إلى أنْ يلتمس شيئاً من الرزق، فسافر مع أخيه محمد إلى قطر، كانت في ذلك الوقت مزدهرةً، وبلاد نجد أصابهم شيءٌ من الجدب، وشيءٌ من القحط، وساءت حالة البوادي فيه، فسافروا إلى ذلك المكان، واشتغلوا بتعليم الأولاد، تعليمهم القرآن، وتعليمهم الكتابة، ولم يكن هناك إلاَّ أجرة يسيرة، ذكر أنَّه كلما أنهى طالباً وكمَّل قراءة القرآن يمشي على المنازل يطلب منهم مساعدة وتشجيعاً على ما حصل عليه، وأنَّه كتب لهم رسالة كأنها رجزيَّة، في أولها يقول: الحمد لله الذي هدانا علمنا القرآن واجتبانا
يا والديَّ جزاكم الله الجنان
كما علَّمتمونيَ القرآن
طويلٌ هذا الوزن، ويقول فيها:
ولوحنا يلمع كالهلال كمطلع الشمس على الجبال
وأطال - أيضاً - على هذا الوزن، وفي آخرها يقول:
فهذا امرؤٌ قد قرأ وقد كتب
وقد تعلم الرسائل والخطب
فضع على اللوح دراهم وذهب
والوالد توجه سنة 1345ه، وأدى فريضة الحج، وهناك اكتتب - أيضاً - في مكة، ولما اكتتب في عمل يسمونه: الكتبيَّة، بقي هناك - أيضاً - سنتين، وكان دائماً يسأل عن أهله؛ لصعوبة المواصلات، وجاءت مرةً قافلةٌ ولم يجد معهم كتاباً، فحزن لذلك، ونظم قصيدة طويلة أولها قوله:
أراني كلَّما طرقتْ ركاب أطالع هل أتى معهم كتاب؟ وأنظر هل أتاني من محبي رسائل ضمنها حسن الخطاب؟
هكذا بقي هناك، وهناك - أيضاً - تزوَّد من العلم؛ حيث قرأ على كثير من مشائخِ مكة، واستفاد - أيضاً - كتباً، واشترى كثيراً من الكتب التي لا تزال موجودة في مكتبته عند أخينا ناصر، هكذا ثم رجع بعد ذلك وتزوج في سنة 1347ه، ولما تزوج بعد ثلاث سنين رأى أن الحال ضاقت به فتوجه إلى قرية الرين، وكان القاضي فيها الشيخ عبد العزيز أبو حبيب الشثري رحمه الله، ولما جاء عنده شجَّعه على أن ينتقل عنده لتعليم الأولاد، تعليم القرآن حيث لم يكن هناك معلم، فانتقل في سنة خمسين، واشتغل بتعليم الأولاد، وتعلم على يديه عدد كبير، تعلَّموا القرآن، وتعلَّموا الكتابة، ولا يزال بعضهم موجوداً؛ منهم: الشيخ ناصربن عبد العزيز أبو حبيب، وغيرهم من الذين استفادوا من تعليمه، بقيَ هناك واشتغل أيضاً بالقراءة، قراءة الكتب على الشيخ، وقرأ عليه شيئاً كثيراً، ولم يزل كذلك، ولما انتقل الشيخ في سنة 1374ه، إلى الرياض بقيَ بعده هناك، ولما جاء بدله قاضٍ في المحكمة هناك انتظم كاتب ضبط، وبقيَ هناك إلى سنة 1391ه، وبعدها انتقل إلى الرياض، وصار كاتب ضبطٍ - أيضاً - أو كاتب صكوك المحكمة الكبرى إلى أن أتاه أجله - رحمه الله - في سنة 1397ه.

المسيرة العلمية


*ماذا عن دراستكم في الكتاتيب قبل المدارس النظامية؟
- لما عرفنا كيفية القراءة في المصاحف ابتدأنا من سورة (والليل إذا يغشى)... وهكذا ولكن لما وصلنا إلى سورة المزمل كانت العادة أنني أذهب إلى قرية أخوالي محيرقة، وكان ذلك في أول سنة 1360ه، وهناك أحد الأعمام سعد بن عبد الله بن جبرين بن فهد رحمه الله، كان يعلم القرآن، ولكن يقتصر على وقت الصيف؛ حيث يتوارد إلى البلد الكثير، بلد محيرقة، وأما في الشتاء فإن الطلاب يشتغلون، يشتغلون في حروثهم وفي أشجارهم، فلا يتفرغون للقراءة، هنالك قرأت عليه من سورة المزمل قراءة عادية إلى سورة الرحمن، عندها توقف، وبقيت هناك أنا وأخي الشقيق إبراهيم -رحمه الله- دون أن نتعلم شيئاً في هذه المدة، وذلك قبل أن نتعلم الكتابة.
ثم رجعنا في سنة 1360ه، إلى الرين، هنالك ابتدأ الوالد - رحمه الله - يعلمنا، يعلمني إلى أن وصلت إلى سورة الزخرف، يُقْرِئنا قراءة فردية؛ وذلك لعدم توفر الطلاب الذين يهتمون بقراءة القرآن، فالقرية قرية بوادي، والراغبون في القراءة قلَّة، فكان يُقرِئنا قراءة فردية أنا وأخي الشقيق إبراهيم - رحمه الله - إلى سورة الزخرف، كان هناك - أيضاً - أحد الرجال الذين عندهم معرفة بالقرآن، كان من أهل الجنوب، من أهل قرية الواديين أو قرية أحد رفيدة، اسمه: سعيد بن عبد الله بن الأجحر، ولا يزال موجوداً، كبير السن، فرغب إليه أهل البلد الرين أن يتولى التعليم، تعليم القراءة، فابتدأت أقرأ عليه من سورة الشورى إلى قرب سورة الكهف، وبعد ذلك رجعنا إلى بلدة محيرقة، كان الذي يعلم فيها آخر، يقال له: عبد العزيز بن عبد الله بن رشيد من القبيلة - أيضاً - من آل جبرين، وكان - رحمه الله - أيضاً يجدّ في التعليم وإن لم يكن حافظاً، ولكن قراءته لا بأس بها، ابتدأنا نقرأ عليه من سورة البقرة إلى قرب سورة التوبة، وفي أثنائها - أيضاً - يأتينا أيضاً أحد الأقارب؛ وهو: عبد الله بن حمد آل جبرين، الذي هو جد ابننا: حمد بن عبد العزيز، وجد الدكتور: عبد الله بن عبد العزيز، وكان جيد القراءة، فكان - أيضاً - يُقرِئنا، يُقرِئُ الطلاب، ويواظب على قراءتهم، فاستفدنا من قراءة هذين.
وبعد أن انتهى الوقت الصيفي رجعنا إلى الرين، وأكملنا القراءة على أخينا سعيد بن الأجحر، ولما انتهى كان ذلك في سنة 1361ه، في أولها، عند ذلك طلب الوالد أن اجتهد في المراجعة، فابتدأت في المراجعة، وفي تلك السنة علمني الكتابة، تعلمت الكتابة، وبعدما تعلمتها استطعت أن أقرأ في الكتب، ولما ابتدأت في المراجعة، وجدت أنَّني ليس هناك من يشجعنا على المداومة؛ حيث إن أخانا سعيد قد توقف؛ لعدم وجود من ينافس أو من يرغب في الدراسة... في تلك السنين ابتدأت في الحفظ نحو اثني عشر جزءاً من أول القرآن، ولكن المدة طويلة، بنحو خمس سنين، بعد ذلك في حدود سنة 1366ه، و 1367ه، عزم عليَّ الوالد أنْ أجدّ في حفظ بقية القرآن، واجتهدت فيه إلى أن حفظته في تلك السنة، في سنة 1367ه، وهنالك ابتدأت بالقراءة، في هذه المدة التي هي خمس سنين لم أنقطع عن القراءة؛ وذلك لأن والدي - رحمه الله - كان يجلس معنا بعد المغرب إلى أذان العشاء يعلمنا أنا وأخي ومن حولنا، يعلمنا وبالأخص علم النحو، فيناقشنا في إعراب الكلمات، وفي الفرق بين الكلمات، وفي تعريف الاسم والفعل والحرف، وفي علاماتها، ويحفظنا الآجرومية، وإن كنا لم نحفظها كلها، وكذلك - أيضاً - يعلمنا في الفرائض، وقد استفدنا من تعليمه في هذين الفنين: الفرائض، وكذلك في النحو، كذلك - أيضاً - في ليالي الشتاء، في حال غيبة الشيخ أبو حبيب - رحمه الله -، كان يكلفنا أن نقرأ عليه، فكنت أقرأ عليه في مجموعة الحديث، في الأربعين النووية، ويحاول أنَّني أحفظها، وفي عمدة الأحكام، ويحاول - أيضاً - أننا نفهمها، وأنَّا نحفظها، وكان يحثنا - أيضاً - على القراءة، والمطالعة، وكان الوالد عنده مكتبة، مكتبة فيها مجموعة من الكتب، بعضها عن آبائه وأجداده، من كتب الجد الأعلى: حمد بن جبرين رحمه الله، حمد، له ترجمة في التراجم التي كتبها الشيخ ابن بسام - رحمه الله - في هذا الكتاب، برقم: 111، في حرف الحاء، حمد بن جبرين؛ وذلك لأنه قدم ابن عيسى وسأل عن العلماء والمعروفين في هذا البلد، فدُلَّ على مكتبة لجدنا حمد بن جبرين، فكتب له ترجمة وإن كانت مختصرة، فبقية كتبه التي كان يكتبها موجودة عند الوالد؛ كسنن أبي داود خطيةً، وجزءٌ من بهجة النفوس، مطبوعاً - أيضاً - ولكنه طبعة قديمة، ومخطوط - أيضاً - في بعض النسخ، وكذلك تفسير ابن كثير، ولكنه مختصر مخطوط، والروض المربع مخطوط أيضاً، وكتب أخرى في فنون متعددة، وكذلك - أيضاً - خطبٌ كان يخطبها العم: محمد رحمه الله، والجد: عبد الله، وأبو الجد: إبراهيم، لهم رسائل ينقلون بها خطباً، إما أنهم ينشئونها، وإما أنهم ينقلونها من كتبٍ أخرى، ولا تزال تلك الخطب، وإن كان بعضها مخروماً مع كثرة عبث الناس بها، وضياع كثير منها، وهكذا - أيضاً - كان الوالد يشتري كتباً قديمة أو حديثة، حصل على مكتبة ضخمة، فكنت في حال غيبته أعكف على القراءة في هذه الكتب، أقرأ مثل سيرة بن هشام، أُعْجَبُ بما فيها من سيرة النبي -صلى الله عليه وسلم-، وعلامات النبوة التي يذكرها، ومقدمات ذلك، وهكذا - أيضاً - في سبل السلام، وكذلك - أيضاً - في كتاب ( سنن أبي داود )، وقد قابلته على مختصره، الذي اختصره المنذري، قابلت هذا المخطوط، وجدت في المخطوط تفاوتاً في مواضع الكتب تقديماً وتأخيراً...
هكذا هذه قراءتنا الفردية حصلنا فيها على فوائد كثيرة، في سنة 1367ه. وبعد أن أكملت القرآن ابتدأت في القراءة على شيخنا عبد العزيز أبو حبيب الشثري -رحمه الله- ولما ابتدأنا في القراءة عليه بعد أن اختبرنا في النحو، وفي الإعراب، ورأى أنَّني عندي معرفة، فكنت أقرأ عليه، وكذلك - أيضاً - أستفيد من ابنه ناصر الموجود، وقرأت على ناصر كثيراً في الفرائض، وفي النحو، وفي شروح الكتب؛ كشرح الألفية لابن عقيل ولغيره، استمر ذلك عدَّة سنوات، الكتب التي قرأتها عليه كثيرة، كان أولها سبل السلام، النسخة الهندية، التي جاء بها الوالد من قطر، أكملتها عليه -رحمه الله- ولكنها قراءة سريعة، وكذلك الصحيحين، بدأت بصحيح مسلم، وأكملته، ثم بصحيح البخاري وأكملته، ثم لما طبع مختصر المنذري لسنن أبي داود قرأته - أيضاً - وأكملته، وكذلك الشرح الخمسين لجامع العلوم والحكم لابن رجب، وأكملناه أيضاً، وكتباً أومختصرات كثيرة قرأناها في هذه المدة، أي: من سنة 1367ه، إلى سنة 1374ه، حيث انتقلنا إلى الرياض، وابتدأنا في القراءة النظامية كما ذكر.

الدراسة النظامية


*هل تحدثوننا عن المسيرة العلمية النظامية؟
- الدراسة النظامية كسائر الطلاب، في سنة 1374ه، فتح معهد إمام الدعوة، ولما فتح انتظمنا فيه، ولما كان عندنا، مبادئ بعض العلوم، أسقطوا عنا القسم التمهيدي، وكان المعهد عشر سنوات: سنتين تمهيدي، وأربع سنين ثانوي، وأربع سنين عالي، يعادل الكلية، فانتظمنا في القسم الثانوي، زملاؤنا قد مات كثير منهم، موجود منهم: الشيخ فهد بن حمين، والشيخ أحمد بن عبد الرحمن بن قاسم، والشيخ عبد الله بن سعدان الجضعي، والغالب بقيتهم ماتوا؛ ومن أشهرهم: عبدالرحمن بن فريان رحمه الله.
شيخنا الذي هو الأصل الشيخ محمد بن إبراهيم -رحمه الله-، كان يجلس لنا كل يوم ما عدا يوم الجمعة، يجلس بعد صلاة الفجر مباشرة ونجلس نقرأ عليه، نقرأ أولاً في زاد المستقنع وشرحه الروض المربع، كملناه في المرحلة الثانوية، ثم أعاده علينا في المرحلة التخصصيَّة العالية، فكملناه مرتين، وهكذا - أيضاً - في الحديث بلوغ المرام، قرأناه - أيضاً - مرتين: في المرحلة الثانوية، والمرحلة العالية، كذلك في العقيدة قرأنا عليه الواسطية، وكذلك الحموية، وكذلك فتح المجيد بأكمله، وكتاب الإيمان بأكمله لابن تيمية، وشرح ابن أبي العز للطحاوية، هكذا قرأنا عليه هذه الكتب، وقد كان بعض زملائنا يتابعونه بالكتابة؛ منهم: الشيخ محمد بن عبد الرحمن بن قاسم رحمه الله، فإنه سريع الكتابة، فيكتب كلام الشيخ، ولا يفوته إلاَّ القليل، حتى ذكر أنَّه لما شرح الشيخ الحموية كتب شرحه في نحو 24 دفتراً، الدفتر فيه أربعون صفحة، هكذا زيادة على أنه كان يكتب - أيضاً - بقية الشروح، شرحه للحديث، وشرحه للفقه وغير ذلك، قلَّ أن يفوته شيءٌ، وأما البقية فإنهم إنما يكتبون الفوائد النادرة على هوامش الكتب، أو في دفاتر، وقد كتبت أنا في دفاتر كثيرة ما تيسر من الفوائد، أكتب صفحة الكتاب، وكذلك أكتب رقم الحديث في البلوغ، ثم أكتب ما تيسر عليه، وتوجد عندنا هذه الدفاتر التي فيها هذه الفوائد أو فيها هذه الكتب.
كذلك - أيضاً - درسنا في القسمين: الثانوي والقسم العالي على مشائخ آخرين؛ منهم: الشيخ إسماعيل بن محمد الأنصاري رحمه الله، كان يشرح في التفسير، وإن كان لا يطيل، غالباً يعتمد على تفسير ابن كثير، والجلالين، كذلك شيخٌ آخر، جزائريٌّ، يقال له: عبد الحميد بن عمار الجزائري، وفي الحديث قرأنا - أيضاً - على شيخ حضرميٍّ، يقال له: محمد البيحاني.
كذلك - أيضاً - درسنا بعض المشائخ الذين تبرعوا بذلك؛ منهم: الشيخ عبد العزيز بن ناصر بن رشيد - رحمه الله - درس الفرائض، وكان يتوسع فيها، وهكذا بعض المشائخ الذين يأتوننا في بعض الأحوال؛ منهم: الشيخ حماد بن محمد الأنصاري، هذه المرحلة الثانوية، والمرحلة العالية، انتهينا من هذه الدراسة في أول سنة 1382ه، ولما انتهينا بقيت أعلم وأدرس، وفي سنة 1387ه، اكتتبت في المعهد العالي للقضاء، وكانت الدراسة فيه ثلاث سنين، دراسةً قوية؛ بحيث أنهم يدرِّسون كتباً طويلةً كبيرة، في السنة الأولى كان يدرسنا الشيخ مناع القطَّان - رحمه الله - دراسةً موجزة في بعض المواضيع، ودراسة موسعة، وحيث إن المعهد إنما جعل للعلوم القضائية، اسمه: معهد القضاء العالي، لم يبحثوا في قسم العبادات، إنما في المعاملات، وفي العقود، وفي الأنكحة ونحو ذلك، هكذا كان تدريسهم، والمشائخ الذين درسونا معروفون؛ وأشهرهم: الشيخ عبد الرزاق عفيفي رحمه الله، أنهينا الدراسة في سنة 90، وكان كل طالب يكلَّف أن يكتب رسالة، فكتبت رسالة بعنوان (أخبار الآحاد في الحديث النبوي) وهي مطبوعة، وكان الذي أشرف عليها الشيخ عبد الرزاق رحمه الله، والذين ناقشوا فيها معه: الشيخ مناع القطَّان، والشيخ حسنين مخلوف، وجعلوا النتيجة 90، يعني امتياز، هكذا أنهينا هذه الدراسة النظامية.

تكفير المسلمين


*ما الآثار المترتبة على التسرع في التكفير؟
التكفير بالذنوب هو اعتقاد الخوارج الذين يرون الذنب كفرًا والعفو ذنبًا، وترتب على ذلك قتالهم للمسلمين، واستباحتهم للأموال والسبايا، وكذلك يترتب على التسرع في التكفير نزع اليد من الطاعة، ومحاولة القتال والنهب والسلب، ويترتب على ذلك حصول الفوضى والخلاف بين المسلمين، مع أن ذلك الذي يتسرع بالتكفير قد يكون أقرب إلى الوقوع في الكفر، كما في الحديث: "من دعا مسلمًا بالكفر أو قال عدو اللّه وليس كذلك إلا حار عليه" أي رجع عليه تكفيره.

تابع









العلامة الكتور عبدالله بن الجبرين حياته ومسيرته العلمية (الحلقة الثانية)


أجرى الحوار: د . طارق بن محمد الخويطر

الشيخ عبدالله بن جبرين يسلم على خادم الحرمين
في الحلقة الأولى من الحوار مع فضيلة الشيخ الدكتور عبدالله بن عبدالرحمن الجبرين عضو الإفتاء السابق أكد فضيلته أن تكفير المسلمين ذنب كبير وهو مذهب الخوارج الذين يرون الذنب كفراً والعفو ذنبا ولهذا استباحوا دماء المسلمين وأموالهم وقال فضيلته: إن أهل السنة والجماعة لا يكفّرون إلا اذا كان الفعل أو القول مجمعاً على تكفير صاحبه؛ وعذرهم في الأفعال أوسع من الأقوال. وأوضح فضيلته أن الاسلام أمر بطاعة ولاة الأمر ونهى عن الخروج عليهم وشق عصا الجماعة، لأن في ذلك منكراً عظيماً وإثارة للفتن واضطراباً للأمن؛ والسمع والطاعة أمر أوجبه الشرع وفيه خير للأمة واجتماع كلمتها وتوحد صفوفها.

وفي هذه الحلقة نكمل للقارئ الكريم حوارنا مع فضيلة الشيخ الدكتور عبدالله بن عبدالرحمن الجبرين ونسلط الضوء على مسيرته العلمية والعملية، وشيوخه الذين تلقى عنهم وجهوده المعتبرة في خدمة العلم الشرعي...


الماجستير والدكتوراه


*ماذا كان موضوع رسالتكم للماجستير ثم الدكتوراه؟
- ذكرت أنه في الماجستير (أخبار الآحاد في الحديث النبوي)، وقد طبع مرّتين، الذي أشرف عليَّ فيه الشيخ عبد الرزّاق. الذي ناقشنا مع الشيخ عبد الرزّاق: الشيخ حسنين مخلوف، والشيخ منّاع القطان، ولم يشدّدوا في المناقشة، وذلك احتراماً للشيخ عبد الرزّاق؛ لأنه المشرف عليه، والكتاب قد طبع، ومع ذلك كنتُ أتمنّى أن أتوسّع فيه، ولم يتيسّر، ولو طلبنا التوسّع فيه لوجدنا مجالاً، وذلك لأنّنا ابتلينا في هذه الأزمنة بمن يكذّب بأخبار الآحاد.
في سنة 1399ه رأيتُ أن أقوم بتحقيق شرح الزركشي، فأشار عليَّ بعض الأخوة أن أسجّله كرسالة، وقبلت ذلك كلّية الشريعة، على أن يكون كرسالةٍ للدكتوراه، واشتغلتُ بتحقيقه، ولماّ وصلتُ إلى كتاب النكاح إذا هو كبير، فطلبتُ من الكلّية الاكتفاء بهذا، فوافقوا على ذلك، ونوقشتْ كرسالة، المشرف أخونا عبد الله بن ركبان، وناقشنا فيه: الشيخ عبد العزيز بن عبد الله آل الشيخ، والشيخ صالح بن محمّد اللحيدان، هم الذين ناقشوه كرسالة، ووافقوا على منحي درجة الدكتوراه، وبعدما حصلت المناقشة اشتغلتُ بتكميل الكتاب، وحقّقت بقيته الذي هو كتاب النكاح وما بعده، وطبع كما هو معروف، وقد تكرّر طبعه ثلاث مرّات.


طلبة العلم وسير العلماء


*ما الفوائد التي يجنيها طالب العلم من معرفة سيرة العلماء وقراءة تراجمهم؟
- إن السيرة في طلب العلم، وسير العلماء فيها فائدة الاقتداء، وفيها فائدة الاعتبار؛ وقد لقي العلماء الأولون مشقة في طلب العلم، كما يحدثنا بعض مشايخنا، وكما نقرأ في كتب التأريخ من تعب أولئك العلماء في تحصيل العلم، وكذلك رحلاتهم في طلب العلم، حتى إنَّ بعضهم رحل وغاب عن بلده أربعين سنة؛ منهم: الخطيب البغدادي، غاب عن بلده أربعين عاماً، كلها في التزود من العلم.
ومنهم: محمد بن إسحاق بن منده، غاب - أيضاً - عن بلده في طلب العلم أربعين سنة، رجع بعدها ومعه أحمال الكتب مما استفاده ونسخه، أحمال: يعني حمَّل عدداً من الرواحل، بسبب اهتمامهم في طلب العلم، وكذلك - أيضاً - ذكروا لنا عجائب عن بعض المشايخ في هذه البلاد، في الرياض؛ منهم: الشيخ حمد بن علي بن عتيق - رحمه الله - جده واجتهاده في طلب العلم، تغرَّب عن بلده وهو صغير، ثم إنَّه جدَّ في طلب العلم، في نسخ الكتب، وفي حفظ المتون، وفي مراجعة المشايخ إلى أنْ تفوَّق وحصل على رتبةٍ شهيرة، وكذلك أولاده، وأولاد أولاده من بعده، وهكذا - أيضاً - في سير المشايخ المتقدمين، ممّا يدل على أنَّهم بذلوا جهداً كبيراً في طلب العلم؛ ولذلك يقال: (من جدَّ وجد، ومن بذر حصد)، يعني: من اجتهد في الجد في طلب العلم فإنه يصل إلى الرتبة التي يطلبها، والمكانة التي يريدها، هكذا يكون طالب العلم في جدّه واجتهاده، في التحصيل، وفي العلم النافع.


طلب العلم اليوم وسابقاً


*ما الفرق بين تحصيل العلم اليوم وتحصيل العلم سابقاً؟
- هذه الأزمنة الطلبة كثير، وهذا يبشر بخير، وكذلك - أيضاً - المشقة قليلة، لم تكن كما كانت قبل سبعين أو ثمانين سنة، لقد كان طالب العلم قبل ذلك في أول القرن الهجري الماضي يغيب عن أهله سنةً أو عدة أشهر، لا يأتيه خبرٌ منهم، ولا يأتيهم خبره إلاَّ بعد أشهر بواسطة وريقات يكتبها، يخبرهم بحالته، ويكتبون له - أيضاً - يخبرونه، وهو في هذه المدّة عاكف على طلب العلم، عاكفٌ على الحفظ وعلى الجدِّ في التعلم من المشايخ، يسهرون اللَّيل على الحفظ، مع قلَّة ذات اليد، ومع الحاجة الشديدة، حتى ذُكر أنَّ أحدهم يبيت طوال الليل ينسخ الكتب، ليس هناك مطابع، ولا آلات تصوير، إنما ينسخ، القلم يبرؤه من القصب، نوع من قصب الزروع ونحوها، والحبر يصلحه ويطبخه، فيصلحه بنفسه في شبه علبٍ يجعلون الحبر فيها، ثم يغمس القلم ويكتب كلمتين أو ثلاث كلمات، ثمّ يغمسه ثانياً ويكتب، وهكذا طوال ليله، ولا يملَّون؛ وذلك لأنَّ لهم همماً عالية، ولهم رغبةً أكيدة، وإذا كان ذلك كذلك فإنَّ معرفة سيرهم، ومعرفة تراجمهم تحثُّ طلاب هذا الزمان على المنافسة، وعلى الجدِّ والنشاط، وعلى متابعة التعلّم إلى أن يحصل طالب العلم على ما يسره الله، ويحرص على التزوُّد.


الاهتمام بتراجم العلماء


* لماذا اهتم المؤرخون بتراجم العلماء؟
- نعم المؤرخون اهتموا بتراجم العلماء، فهناك تراجم المتقدمين يتكلمون على رواة الحديث؛ لأجل معرفة من يقبل ومن لا يقبل، وأوسع ما كتب في ذلك: كتاب الكامل لابن سرور، ثم اختصره المزِّي، وقد طبع كتاب المزي الذي اسمه ( التهذيب والكمال )، ثم اختصره ابن حجر بعنوان ( تهذيب التهذيب )، كذلك كتب الذهبي - أيضاً - (ميزان الاعتدال)، ثم اختصره وأضاف عليه ابن حجر في (لسان الميزان)، هؤلاء يتكلمون على رجال الحديث؛ ليُعرف من يكون مقبولاً ممن ليس بمقبول، يتكلمون على كلِّ من روى الحديث، وقد سبقهم العلماء الأولون؛ كيحيى بن معين، والبخاري، وكذلك ابن أبي حاتم، وابن عدي، وابن حبان ونحوهم ممن كتبوا في رجال الحديث، وأما الذين يكتبون كتابةً عامةً في المحدثين، وفي العلماء، وفي الوزراء، وفي الأمراء، وفي الخلفاء ونحوهم فإنهم كثير؛ ومن أشهرهم: ابن سعد صاحب الطبقات، فإنه - رحمه الله - استلهم ما وصل إليه علمه في طبقات المحدثين، وطبقات المفسرين، وطبقات الأمراء والخلفاء ونحوهم، وهكذا - أيضاً - المؤرخون الذين يكتبون على السنوات؛ ومن أشهرهم ابن جرير في كتابه ( تأريخ الأمم والملوك ) فإنه - رحمه الله - توسَّع في ذلك، وانتهى إلى أول القرن الرابع، حيث توفي في سنة 310ه، عن عمرٍ يقارب التسعين، ومع ذلك جدَّ واجتهد إلى أن وصل إلى ما وصلوا إليه رحمهم الله، وهكذا الذين كتبوا في التواريخ؛ كل ذلك لأجل أن تعرف سير أولئك العلماء، وقد كان كثير منهم يتحاشى أن يكتب عن نفسه، وإنما يكتب بعده تلاميذه فإذا جاؤوا إلى سنة وفاته كتبوا ترجمةً له، ويتوسع بعضهم أو يختصر، فابن كثير - رحمه الله - لم يترجم لنفسه، إلاَّ أنَّه ترجم لوالده، وكان والده توفي في أول القرن الثامن، فلما ترجم لوالده ترجم لأولاده، وذكر ولادتهم وذكر - أيضاً - ولادته، ولكنه ذكر أنَّ فلاناًَ ترجم لنفسه، وأن فلاناً كذلك؛ مما يدل على أنَّهم يريدون بذلك أنْ يتكلموا بما حضرهم، حتى يكون ذلك عنواناً على ما يريد غيرهم أن يكتب عنهم، وسبب عدم كتابتهم خوف الإعجاب، يخاف أحدهم أنْ يعجب بنفسه إذا رآه الناس قد كتب قالوا: هذا معجبٌ بسيرته وبنفسه، وكانوا يحبون التواضع، ولا يحب أحدهم أنْ يرفع نفسه فوق منزلته التي أنزله الله، لا يريد أنْ يتكلَّم عن نفسه بشيءٍ فيه مبالغة أو ما أشبه ذلك، هذا هو السبب.
*هل ترون اهتماماً من طلبة العلم اليوم بترجمة مشايخهم؟
- في هذه الأزمنة أحبُّ أن يكون لعلماء هذا الزمان من يحيي ذكرهم، فأنا قد ألقيت محاضرتين عن سماحة شيخنا محمد بن إبراهيم رحمه الله؛ وذلك لكثرة فضله على تلاميذه، حيثُ ذكر قديماً أحد زملائنا أنَّه تعيَّن من تلاميذه قبل فتح المعاهد ستة وخمسون قاضياً، وهذا قبل فتح المعاهد التي فتحت سنة سبعين، فكيف بما بعد ذلك، لا شك أنَّ هذا من بركة علمه رحمه الله.
ولماَّ توفي الشيخ ابن باز - رحمه الله - رغب إليَّ - أيضاً - بعض الطلاب أنْ ألقي محاضرة عن سيرته التي أعرفه عنها، فألقيت تلك المحاضرة في مسجد العبيكان الذي في حي شبرا، كذلك بقية المشايخ لهم من يحيي ذكرهم، وأما حديث الإنسان عن نفسه فإنه قد يكون فيه شيءٌ من التزكية للنفس أو الإعجاب، ولكن إذا أخبر بشيءٍ واقعيٍّ وقصد بذلك حثَّ السامعين على المنافسة، وعلى الصبر فإنَّ ذلك جائز، فإنَّ الذين ترجموا لأنفسهم أو ترجم لهم علماؤهم وتلاميذهم بإذنهم يقصدون بذلك أن يعرف الطلاب الذين بعدهم سيرتهم، وصبرهم، وجدهم واجتهادهم، وأنْ يصبروا على المنافسة، وعلى كثرة الجدِّ والنشاط في متابعة العلم والعلماء، والصبر على ما يناله؛ كما ذكرنا في سيرة أولئك الذين كانوا يصبرون صبراً كثيراً على تجشم المشقَّة وطول الغيبة.


حفظ المتون...


*نرجو من فضيلتكم ذكر ما تحفظون من المتون النثرية والنظمية.
- أولاً على الوالد - رحمه الله - أمرنا أن نحفظ الآجرومية في النحو، فحفظنا متنها، وكان عندنا شرح خالد الأزهري، فكنت أقرأ في الشرح، وعليه أيضاً حاشية أبي النجا.
كذلك - أيضاً - كلفني أن أحفظ متن الرحبية في الفرائض، ويوجد عند الوالد شرح خطِّيٌّ مؤلفه هو: الشنشوري، مخطوط - أيضاً - فنقرأ في الشرح، ونحفظ المتن. كذلك لما ابتدأنا على الشيخ أبو حبيب - رحمه الله - كان يكلفنا بحفظ المتون: زاد المستقنع حفظنا فيه إلى قرب نهايته، كذلك آداب المشي إلى الصلاة، هكذا - أيضاً - الألفية، قرأنا فيها وحفظنا نحو ثلثها. أيضاً كتاب التوحيد، وثلاثة الأصول قرأناهما وحفظناهما، والعقيدة الواسطية حفظناها وقرأناها، وشرحها لنا، وإن كان شرحاً مختصراً؛ وذلك لوضوحها.
أما لما كنا في الرياض فالدروس معروفة، كنا قد كملنا (بلوغ المرام)، وكملنا -أيضاً - (زاد المستقنع) وشرحه (الروض المربع)، وكملنا (كتاب التوحيد) وشرحه (فتح المجيد)، وكملنا (متن الطحاوية) وشرحه لابن أبي العز. وكذلك - أيضاً - حفظنا عبارة (شرح الحموية)، ولا يقال لها متن فإنها متن موسع، ولكن كُلِّفنا - أيضاً - بحفظها أو بحفظ ما يتيسر منها. وهكذا - أيضاً - حفظنا نخبة الفكر، وقرأناها على الشيخ عبدالعزيز بن باز -رحمه الله- وكانت قراءةً غير نظامية، وكلَّفنا أن نحفظها، وأن نقرأها، وإن لم يكن هناك -أيضاً- اختبار، كذلك من القراءة النظامية: ألفية العراقي، حفظناها، درسناها دراسة نظامية في أربع سنين، كل سنة نقرأ ربعها. وكذلك روضة الناظر نطالعها، وقد نكلف بحفظ مواضيع منها؛ لأجل الاختبار فيها والمسابقة، هذه الدروس جربنا أنها تخضع للمنافسة، فنحن لما كنا في الرين قبل أن نأتي إلى هنا نجد فتوراً؛ وذلك لعدم المنافسة، ولعدم المتسابقين، فأحدنا إنما يحفظ لرغبة، وليس هناك مسابقة ولامنافسة.
كذلك - أيضاً - بالنسبة إلى القرآن، بقيت من سنة 1362ه إلى 1367ه ما حفظت القرآن، ما حفظت إلاَّ نحو اثني عشر جزءاً؛ وسبب ذلك أنَّه ليس هناك منافسون يتنافسون ويتسابقون.
في هذه الأزمنة معروف منافسة الطلاب بكثرة ما يجدونه، من المنافسة والمسابقة، حتى يحصل الطالب على أن يكون متفوقاً، أو يكون من الخمسة الأول، أو العشرة الأول، هذه سببها الحماسة والغيرة والمسابقة.
على كل حال هذه المتون كنا نتواصى بالجد والاجتهاد في حفظها، وبالأخص ما يتعلق بالعقيدة.


لقاء الشيخ ابن إبراهيم


*متى كان أول لقاء لكم بالشيخ محمد بن إبراهيم -رحمه الله تعالى-؟
- كان أول لقائنا سنة 1374ه، في شهر صفر، عندما قدمنا إلى الرياض؛ وذلك بعد أن عزم - رحمه الله - على فتح هذا المعهد، معهد إمام الدعوة، ولما قدمنا وزرناه مع الشيخ أبو حبيب - رحمه الله - عزم على أن يضيّف الشيخ، وكان عنده في ذلك اليوم وفودٌ قد أكرمهم، فقال الشيخ أبو حبيب: لعلك تجعل ضيافتنا وضيافتهم واحدة نكتفي بها، فأصر وامتنع وقال: لا بد أنَّ لكم ضيافة مستقلة. وفي اليوم الثاني فرح بوجود الشيخ، وبوجود من معه، وقَبِلَ كل من قَدّمهم؛ حيث انتظم في المعهد أناس من تلاميذه وممن جاء معه.
أما بالنسبة إلى أول جلسة جلسها فتعتبر في أول ربيع أو في آخر صفر، لما عزم على فتح المعهد جلس حلقة كبيرة، ولما جلس اجتمع عليه عدد كثير، فاستمر يشرح لهم محاسن هذا المعهد وفوائد الانتظام فيه، والمواد التي تدرس فيه... وذَكَر أنه قرَّر أن يدرّس فيه عشر مواد: التفسير، وأصول التفسير، والحديث، والمصطلح، والفقه، وأصول الفقه، والتوحيد، والعقيدة، والنحو، والصرف.
وحقق ذلك، ثم ذكر - أيضاً - أنه قسم المعهد إلى أربع سنوات، فالمتفوقون، والقدامى في العلم جعلهم في السنة الرابعة، وكانوا قليلاً، وكنت أنا معهم؛ ومنهم: الشيخ عبد الرحمن بن فريان، وفهد بن حمين، وعبد الرحمن بن مقرن، ومحمد بن قاسم.
السنة الثانية أنزل منهم قليلاً، يدرسهم الشيخ أبو حبيب الشثري -رحمه الله.
السنة الثالثة كذلك، يدرسهم الشيخ أبو حبيب، السنة الأولى عددهم نحو مئة وأربعين، يدرّسهم - أيضاً - الشيخ محمد بن إبراهيم رحمه الله، فكان يجلس لنا بعد الفجر، يعني: بعدما تنتشر الشمس، ثم يذهب إلى بيته، ونذهب - أيضاً -؛ لنريح أنفسنا، ونتناول القهوة ونحوه، يرجع بعد ذلك بنصف الضحى، ثم يقرئ السنة الأولى، ويستمر نحو ساعة ونصفاً يشرح لهم في الأربعين النووية، وفي ثلاثة الأصول، وكذلك في الآجرومية، أما الفرائض فيحيلها على أخيه عبد اللطيف، وكان متخصصاً ومتوغلاً في علم الفرائض -رحمهم الله- واستمر يدرسنا على هذه الطريقة بعد الفجر مباشرة إلى أنْ تنتشر الشمس في الدروس التي ذكرنا، الدراسة النظامية.


ولقاء الشيخ ابن باز


*ومتى التقيتم بسماحة الشيخ الإمام ابن باز - رحمه الله تعالى-؟ وبماذا كان يوصيكم؟
- الشيخ - رحمه الله - جاء إلى الرياض، بعد أن كان قاضياً في الدلم، سنة 1370ه لماّ فتحت المعهد، ولماّ جئنا في سنة 1374ه ففي اليوم الثاني جاء إلى الشيخ أبو حبيب، للسلام وللاستزارة، وكان مستأجراً بيتاً في حيٍّ اسمه ( حي المليحة ) في الرياض، أو حي آل حمود:
أولاً: استزارنا، ودعانا لطعام الفطور صباحاً، وذهبنا معه، وكان مجلسه - رحمه الله - كما هو معروفٌ لا يخلو من فوائد، وكان يكلِّف أحد تلاميذه أن يقرأ عليه، في ذلك المجلس قرأ عليه زميلنا: الشيخ عبدالرحمن بن محمد بن مقرن آل سعود - رحمه الله- في شرح النووي لصحيح مسلم.
ثم رأى الشيخ أبو حبيب - رحمه الله - أن يجمع المشايخ ليلةً في الأسبوع عنده؛ لأجل البحث، ولأجل القراءة، فكانوا في تلك السنة - سنة 1374ه إلى نهاية السنة، كلّ ليلة جمعة، مساء الخميس يجتمعون، وأشهرهم الشيخ ابن باز، والشيخ عبد الرزّاق عفيفي، ومعهم - أيضاً - مشايخ، منهم: محمد أمين الأشقر، ومحمد المختار، وبعض المشايخ الذين يأتون أحياناً، كالشيخ عبد العزيز بن رشيد، والشيخ محمّد بن مهيزع، ونحوهم، فكنت أقرأ عليهم في صحيح البخاري في كلِّ ليلةٍ حديثاً، ويكلّفون الشيخ عبد الرزاق أن يشرح ذلك الحديث، الذي أقرأه من أول الكتاب، فكان أحياناً يستغرق شرحه ساعةً، أو ساعةً إلاّ ربعاً، شرح حديثٍ واحد، وربما يقسمه في ليلتين في أسبوعين. وهكذا -أيضاً- يبحثون في كثيرٍ من المسائل.
ثمّ كان الشيخ ابن باز - رحمه الله - قد عود الطلاّب أن يدرسهم في السنة الأولى - سنة الأربع - إمام الجامع، يقال له: ابن عيدان، توفّي في حدود نصف السنة، يعني في حدود شهر جمادى الأولى، أو نحوها، فكلِّف الشيخ أن يكون إماماً في الجامع، والتزم، ولماّ التزم كان من محبّته لطلبة العلم أن يجلس لهم بعد كلِّ عصر؛ ليقرؤوا عليه في المطولات، وبعد المغرب؛ ليقرؤوا عليه في المتون، وهكذا لازمناه غالباً بعد العصر وبعد المغرب، أحياناً بعد العشاء يذهب إلى بيته، ويأتيه بعض الزوّار، ويقرؤون عليه، كان -رحمه الله- يمشي من مسجد الجامع إلى بيته، بيت الطين الذي لم يهدم إلاّ قريباً، وبقي موضعه غير مهدوم، إلى جانب المسجد، الذي يقال له: المسجد الأصفر، على شارع الشميسي القديم، يمشي هذه المسافة، قبل توفّر السيارات، هكذا كنا نستفيد من قراءته.
وقرأنا عليه في متن نخبة الفِكَر، وقرأنا عليه - أيضاً - أبواباً من بلوغ المرام، زيادةً على ما شرحه لنا الشيخ محمّد، اهتمّ - رحمه الله - بأن يرى من يتنافسون عنده في القراءة.
وأما وصايا المشايخ: الشيخ محمد بن إبراهيم، والشيخ ابن باز - رحمهم الله - غالباً أنهم في كلِّ حلقةٍ يختمونها بالوصايا للطلاّب: نوصيكم بالجدّ والاجتهاد، نوصيكم بالعمل، نوصيكم بالتطبيق، يحثّوننا - أيضاً - على أن نعلّم، وأن ندعو إلى الله، ينهوننا عن التكاسل، وينهوننا عن كتمان العلم، ويأمروننا ببثِّ ما نعلمه من العلوم، وما إلى ذلك، كلٌّ ممّا نذكره، وهو كثير، وأمّا وصيّةٌ خاصةٌ فما أتذكّر إلاّ الوصايا العامّة، كما هو معروف.


التعرف إلى الشيخ الشنقيطي


*متى كانت معرفتكم بالشيخ محمّد الأمين الشنقيطي - رحمه الله تعالى- ؟
- سمعنا بقدومه قبل أن نقدم إلى الرياض، وأنه قدم كمدرّس، أو كمهاجر، ثمّ لماّ أتينا الرياض في سنة 1374ه كان شيخنا أبو حبيبٍ - رحمه الله - يحبّه، فكان يقرّر زيارته كلّ أسبوع، أو كلَّ أسبوعين، وكنت أصحبه أنا وبعض التلاميذ، إذا دخلنا عليه استقبلنا ببشاشة، وبترحيب، وبفرح، ثمّ أخذ الشيخ يسأله، وأخذنا - أيضاً - نسأله عن بعض المسائل، فنجد أنه - رحمه الله - قد أتقن حفظ اللّغة، والكلمات اللُّغوية، وعرف اشتقاق كلِّ كلمةٍ وما يدلّ عليها، كما تلاحظون ذلك في تفسيره (أضواء البيان)، وكذلك - أيضا - كان عالما بالأصول، (أصول الفقه)، وكان متمكنا في التفسير.
في السنة الأولى زرناه أكثر من عشرين أسبوعاً، أو ثلاثين، كلّ أسبوعٍ نأخذ منه فوائد في منزله.
وفي السنة التي بعدها، سنة 1375ه أمرنا الشيخ - رحمه الله - أن نقرأ عليه في الأصول، فالتزم بذلك، وقرأنا عليه الورقات.
وكنا إذا انتهى من شرح جملةٍ طلبنا منه أن يملي علينا ملخّصاً، فأملى علينا، ولا يزال ملخّصه موجوداً عندنا، يعني الكلمات التي يشرحها، ثمّ يملي علينا ملخّصها فيما يتعلّق بهذه النبذة، (الورقات لإمام الحرمين).
كذلك - أيضاً - كان له محاضراتٌ أو دروسٌ في مسجد الشيخ محمد بن إبراهيم، الحالي، يلقي فيه محاضرات، غالباً أنه يفسّر الآية، ونحضر عنده، ولا نستطيع أن نتابعه؛ وذلك لما رزقه الله من الحفظ، وسرعة البديهة، وسرد الشواهد وما أشبهها، ثمّ إنه انتقل إلى المدينة لماّ فتحت الجامعة الإسلامية، وذلك بعدما انتهينا من الدراسة.
وفي سنة 1390 أو سنة 1389ه كنّا ندرس في المعهد العالي وجاءنا كانتداب، وألقى علينا درساً في أصول الفقه، شرح ما درّسه وأخذ يتوسّع في الأدلّة والشواهد، ممّا يدلّ على تبحّره في هذه العلوم، كان يجلس معنا في المسجد أحد الشناقطة، من الذين يحبّون درس النحو، فيجلس عند الشيخ إسماعيل الأنصاري، يحكي لنا أنهم في تلك الجهة في صحراء أفريقيا، وفي بلاد الشناقطة، عندهم علومٌ كثيرة، وعندهم علماء، إلاّ أنهم لا يتخصّصون في علم التوحيد، الذي هو توحيد العبادة، ولكن يتخصصون في التفسير، ويتوسّعون فيه، وكذلك في المذهب المالكي، وكذلك - أيضاً - في أصول الفقه، والغالب أنهم يعتمدون على المذهب المالكي.


تابع الحلقة الثالثة والأخيرة




الشيخ الجبرين يتحدث عن شيوخه ويروي تجربته في الحفظ
أجرى الحوار: د . طارق بن محمد الخويطر

فضيلة الشيخ الجبرين وحوار مع د. طارق الخويطر


(الحلقة الثالثة والأخيرة)

تضمن الحوار، الذى خص به فضيلة الشيخ الدكتور عبدالله الجبرين -عضو الإفتاء السابق وعضو هيئة التدريس بكلية الشريعة بالرياض- مجلة الحرس الوطني، العديد من القضايا والموضوعات التى تهم الأمة خاصة في هذا الوقت، كما سعدت "مجلة الحرس الوطني" بالحصول على جوانب كثيرة من سيرة الشيخ الجليل وحياته العلمية وشيوخه الذين تلقى عنهم وجهوده المعتبرة في خدمة العلم الشرعي، وهو الأمر الذى يتابعه القارئ من خلال عدة حلقات بدأناها بالحلقة الأولى التي تحدثت عن بدايات حياة الشيخ العلمية وفتاويه حول قضايا التكفير والخروج على ولاة الأمر وأخذ العلم والفتوى عن الجهال والمغرضين.
ثم تناولت الحلقة الثانية: دراسة الشيخ لمرحلتي الماجستير والدكتوراه، والاهتمام بتراجم العلماء، وتحصيل العلم وحفظ المتون ولقاءات فضيلته مع عدد من المشايخ والعلماء ووصاياهم..
ونقدم فيما يلي الحلقة الثالثة والأخيرة التي يتحدث فيها الشيخ عبدالله بن جبرين عن مشايخه، وطريقة حفظه ومراجعته لمحفوظاته، وحلقات العلم..

لقاءات مشهودة


*هل كان لكم علاقة بالشيخ عبدالرحمن السعدي؟ والشيخ عبدالله بن حميد؟
- أمّا الشيخ عبدالرحمن السعدي فلا أعرف أنني قرأتُ عليه، ولا رأيته، وذلك لأنه في القصيم، ومات بعدما جئتُ إلى الرياض بثلاث سنين، حيث توفي -رحمه الله- سنة 1376ه، ولم يأتِ الرياض وأنا فيه، إلاّ أنّ ولده عبدالله كان في الرياض، وكان ذا تجارة، وكان يطبع كتب أبيه، ويوزعها بكمّيات، فكنّا نستفيد من كتبه: مثل كتاب (تيسير اللّطيف المنّان، في اختصار تفسير القرآن). و(تفسير الكريم الرحمن، في تفسير القرآن) وكذلك - أيضاً - كتبٌ طبعت قديماً، واستفدنا منها كثيراً، وأعجب ما أعجبتُ به كتابه الذي سمّاه (الرياض الناضرة، والحدائق النيرة الزاهرة، في العقائد والفنون الفاخرة) فإنه كتابٌ نفيس. وكذلك - أيضاً - كتابه الذي سمّاه (إرشاد أولي البصائر والألباب، لنيل الفقه بأهون الطرائق وأيسر الأسباب، مرتب على السؤال والجواب)...
وقد استفدنا من هذه الكتب، بعضها فرّق قبل أن آتي الرياض، واستفدنا منه في الرّين، وفي القويعية، وبعضها أخذناه بعدما جئنا إلى الرياض، من توزيع ولده، وأصبنا بموته قبل أن نراه.
أمّا الشيخ عبد الله بن حميد - رحمه الله - فإنه من مشايخنا، وذلك أول ما أتى سنة 74ه نزل قرب مكاننا، وكان يصلي معنا في المسجد، وكنت أنا أقرأ وقت العشاء في تفسير ابن كثير، على جماعة المسجد، فكان يتكلّم - أحياناً - على المسائل التي تمرّ في التفسير، قرأنا مرّةً في تفسير سورة مريم، على قول الله - تعالى - ( فَخَلَفَ مِنْ بَعْدِهِمْ خَلْفٌ أَضَاعُوا الصَّلاةَ وَاتَّبَعُوا الشَّهَوَاتِ فَسَوْفَ يَلْقَوْنَ غَيّاً).
فتكلّم على أثرٍ ذَكَرَه ابن كثير، قريب من معناه: أنّا نعرف المتخلّفين، من صفاتهم: شرّابين للقهوات، ترّاكين للصلوات، متبعين للشهوات، فاستشكلنا، (شرّابين للقهوات) واستشكلنا قوله (لعَّابين بالكعبات) ففسّرها لنا: أنّ القهوات يراد بها الخمور، وفسّر (اللّعّابين بالكعبات) يراد بها الألعاب التي يكون بها القمار.
وفي سنة 1380ه قمنا برحلةٍ للدعوة، بصحبة الشيخ عبد العزيز أبو حبيب رحمه الله، مع بعض الزملاء واستغرقت الرحلة ثلاثة أشهرٍ وعشرين يوماً، وكان نهايتها: مجيئنا إلى بريدة، واستضافنا الشيخ عبد الله في بريدة، وأخذنا نقصّ عليه بعض العجائب التي لقيناها من البوادي، التي في الحدود الشمالية، وما هم عليه من الجهل، وأخذ يتعجّب من ذلك، وأخذ - أيضاً - يذكر لنا أمثال ذلك من الوقائع.
كذلك - أيضاً - في سنة 1389 ه ونحن نقرأ في آخر سنةٍ من السنة الدراسية للمعهد العالي، انتدب لتدريسنا، فدرّسنا طرق القضاء، وكنتُ أتابعه، وأكتب ما يقوله، وقد استفدتُ من كتابة درسه كثيراً، وذلك أنه وإن كان يختصر ولكنّه يستوفي، ويذكر الراجح من الطرق التي هي طرق القضاء، وكيف يكون القاضي، ومتى يقضي، وما أشبه ذلك.
بعد ذلك استقرَّ - أيضاً - في الرياض، وسكن في شارع آل فريّان، وكان له درسٌ في المسجد الذي قرب بيته، وكان يأتي بفوائد عجيبة، كنت في ذلك الوقت قد ابتدأتُ في بعض الدروس، ولكن يكون عندي - أحياناً - فراغ، فآتي إليه، وأجلس عنده، ونستفيد منه.
وكذلك - أيضاً - كان كثيراً ما يجلس بعد المغرب في حديقةٍ في بيته، ويزوره الكثير من المشايخ، ومن الأخوان، ويلقي عليهم عجائب من الفوائد التي يذكرها، والتي يستحضرها، وهكذا - أيضاً - في سنة 1387ه كنت في مكّة، أساعد الشيخ محمّد ابن قاسم في تكميل مجموع الفتاوى، وفي فهارسه، فكان الشيخ - رحمه الله - في الإجازة ينزل من الطائف إلى مكّة كلَّ أسبوعٍ ليلتين أو ثلاثاً، وكان يلقي نصيحةً في الحرم المكّي، فكنّا نحضرها ونستفيد ممّا فتح الله عليه.
الإصابة بالعين!!

*هل صحيح انك أصبت بالعين فتأثر صوتك؟
- في حدود سنة 1362ه كنت في قرية محيرقة، أقرأ مع كبار الأسنان، وكانوا في رمضان يقرؤون بعد التراويح كلِّ ليلةٍ ثلاثة أجزاء، وأنا صغير، عمري في الثالثة عشرة، أو الثانية عشرة، فكأنّ بعضهم رأى أني أماشي هؤلاء الكبار، اتهم بعضهم بأنه كان يصيب بالعين، فحصل لي مرضٌ في اللِّسان، يسمّى اللَّّسنة، انتفخ اللِّسان، وتعطّلتُ عن الكلام، وصرت لا أتكلّم إلاّ بالإشارة، وقد عالجني الأخوان والأخوال، وأخذوا من أولئك المتّهمين شيئاً من ريقهم، أو ممّا مسّوه، وكذلك - أيضاً - عالجني أحد الأعمام بكيٍّ تحت اللّسان، وخفّت هذه بإذن الله، وزالت، ولكن بقي أثرها، نحو عشر سنين والكلام يثقل عليَّ بسبب هذا الجرح، وأمّا الصوت فلا أدري هل تغيّر الصوت أو لا؟، هذا الذي كنت أصوت به، ويمكن أن هناك من لاحظ تغيّر الصوت.
الطريقة المفضلة في الحفظ

*هل لكم طريقةٌ معينة في الحفظ؟
- معلومٌ أنّ الإنسان إذا كرّر المتن، وكرّر القراءة يسّر الله له الحفظ، رأيت الطريقة في الحفظ هي التكرار، ورأيتُ زملاء - أيضاً - مشايخ لنا ينقسمون إلى ثلاثة أقسام:

*قسمٌ رزقهم الله الحفظ، فأحدهم يقرأ المتن ثلاث مرّات، فيحفظه، أو أربع مرّات، إلى عشر مرات، وكان منهم: زميلنا محمّد بن قاسم رحمه الله، رزقه الله قوة الحفظ، وقوة الذاكرة.

*القسم الثاني: المتوسطون، الذين حفظهم ليس بقوي، ولكن يحفظون، وطريقتهم التي يسلكونها التكرار، فأحدهم يقرأ المتن عشرين مرّة، أو ثلاثين مرّة، نظماً أو نثراً، ثمّ بعد ذلك يوفّقهم الله - تعالى - للحفظ، وكان بعض المشايخ يقولون: من حفظ سريعاً نسي سريعاً، يعني أنه إذا حفظ المتن في قراءته خمس مرّات، أو ثمان مرّات فإنه يتعرّض للنسيان، بخلاف الذي يحفظ بطيئاً، يعني يكرّر أكثر، فإنه - عادةً - يبقى ذلك الحفظ، يبقى مدّةً طويلة، وهكذا.

*القسم الثالث: الذين عندهم ضعفٌ في الذاكرة، وضعفٌ في الحفظ، ولكن الحيلة أنهم يواصلون، وإذا عجزوا فإنهم يكتفون بالفهم، فيقولون يصعب علينا الحفظ، ونكتفي أن نفهم المتون ونفهم الشروح، فلا يقدرون على الحفظ.
وكثيرٌ من المتقدّمين يضرب المثل ببعضهم في سرعة حفظهم، حتى إنّ من مشايخ البخاري رجلٌ يسمّى محمّد بن عبد الرحيم، ويسمّى صاعقة، وذلك لسرعة حفظه، عندما يسمع الحديث مرّةً أو مرّتين يحفظه، ولا يحتاج إلى تذكّر، وكذلك - أيضاً - البخاري، والإمام أحمد، ويحيى بن معين، وإسحاق بن راهويه، يضرب المثل بسرعة حفظهم، وأمّا أنا وزملائي فقد نكون من المتوسطين، ولكن مع الجدِّ، ومع المذاكرة، ومع التكرار ييسّر الله المواصلة، والدراسة للمتون وللشروح.
كنتُ في الدراسة النظامية في السنوات الأولى من المتوسّطين، في سنة 1376ه اختبرنا للمرحلة الثانوية، وكان الأول: محمّد ابن قاسم رحمه الله، وأنا الثاني في الترتيب، وأمّا في سنة 1382ه فكان فيها اختبارنا للمرحلة الأخيرة، التي هي القسم العالي، والتي تعادل الشريعة، وكنت أنا الأول، ومحمّد بن قاسم هو الثاني، وكان - رحمه الله - قد اشتغل بالتدريس، فكان التدريس يأخذ منه جانباً من الوقت، ولكن مع ذلك كان سريع الحفظ، وأمّا بقيّة زملائنا فإنهم من المتوسّطين، الذين واصلوا الدراسة.
تحضير الدروس ومراجعتها

* هل تحضر للدرس الذي ستلقيه؟
- بالنسبة إلى الدروس التي تتكرر فإننا نكتفي بتكررها، قمتُ في المعهد بتدريس التفسير، الذي هو جزء عمَّ، وكنتُ أراجع، وذلك في سنة 1382، و1383ه، كذلك - أيضاً - تفسير سورة سبأ وغيرها، وكنت أراجع ابن كثير، وأراجع ما تيسّر من التفاسير غيره، ولكن بعد أن درستها مرّتين أو ثلاث مرات أصبحت أستحضر النصوص التي قرأتها والتي درّستها، وكانوا يكلِّفون بالتحضير، كما هو معروفٌ الآن، أنّ كلَّ مدرّسٍ يكتب دفتر التحضير، إذا درّس ثلاث مواد ولابدّ أنه يطالع ما تيسّر من الشروح، وهكذا - أيضاً - سائر المتون، كمتن الزاد، درّسته - أيضاً - في المعهد،
كذلك - أيضاً - درّستُ كتاب التوحيد، وألقيتُ عليهم - أيضاً - مختصراً، ولماّ تكرّر تدريسنا لهذه الكتب أصبحنا لا نحتاج إلى المراجعة، ولا إلى تحضير؛ وذلك للتكرار، ولماّ انتقلتُ في سنة 1395ه إلى كلية الشريعة درّستُ التدمرية، ففي السنة الأولى احتجتُ إلى أن أراجع بعض الكتب التي تتوسّع في هذه المعلومات، فاضطررتُ إلى أن أراجع في السنة الأولى والثانية، وبقيّة السنوات لم أحتجّ إلى المراجعة، واستمررت في تدريسها إلى سنة 1402ه
أمّا شرح الطحاوية فإني درّسته في الكلّية سنةً واحدة، يعني ربع الشرح، واحتجتُ - أيضاً - إلى أنني أطالعه، هذا بالنسبة إلى الدروس النظامية، وأمّا دروسنا - بعد ذلك - التي في المساجد، فكان ابتداؤها في حدود سنة 1388ه
ابتداء الدرس أولاً: في البيت، ثمّ في المسجد، وهكذا إلى أن انتقلنا في الحيِّ الجديد في سنة 1402ه ومع تكرارها لم أحتج إلى المراجعة، لكن لا شكّ أنها طالت، وكذلك - أيضاً - بعض الكتب التي شرحناها في هذه المدّة، سواء في الصباح أو في المساء، فلابدّ أن الإنسان يطالع، وقدوتنا في ذلك مشايخنا، الشيخ محمّد بن إبراهيم - رحمه الله - مات وهو لم يترك المراجعة، يعني انتهينا من الدراسة عليه، كلّ ليلةٍ بعد العشاء يأتيه زميلنا أحمد بن عبد الرحمن بن قاسم، ويقرأ عليه متن الروض، وكذلك التعليقات التي عليه حاشية العنقري، وحاشية أبيه، التي هي حاشية الروض المربع، يشرحها عليه، ثمّ نرى في شرحه استشهاداً بتلك الحواشي، أتذكّر منها مرةً كان في كتاب الصيد من الروض المربع، فجرى السؤال عن الصيد بالبندق، بالرصاص المعروف، إذا رمي فمات المرمي، رموا - مثلاً - ظبياً، أو رموا أرنباً فماتت من أثر الرمي، فهل يجوز أن يؤكل إذا سمّى ذلك الذي رمى؟
فناقشه أحد الزملاء، وقال: كيف يكون حلالاً وهو ليس بمحدّد؟! إنّ الرصاصة ليست محدّدة، لكنه غليظ، فقال:وهي تنفذ، وهي حلالٌ بالإجماع، وقد نظرنا في استناده وإذا في حاشية العنقري بيتين فيهما الإجماع، يقول الناظم:
وما ببندق الرصاص صيد
ومات حتفاً حلُّه استفيد
أفتى به والدنا الأوّاه
وانعقد الإجماع من فتواه
فهذا مستنده في أنّ هذا هو الإجماع.
موقف مؤثر أبكاني!

*هل هناك موقفٌ تأثرتم به؟
- الحمد لله، ما هناك مواقف تؤثّر تأثيراً بليغاً،لكن اذكر في سنة 1376ه كنتُ ساكناً في بيتٍ صغيرٍ جدّاً، في حيٍّ اسمه ( الدهو ) شرق دخنة، في ذلك البيت ما كان معي إلاّ أحد أقاربي، كبير السنِّ، وقد توفّي رحمه الله، ثمّ في آخر العام الدراسي قدّر أن جاء سيل، كثير، وأنا لستُ في المنزل، ولماّ جئتُ وإذا الماء قد ارتفع فيه نحو متر، وعرفتُ أنه سيسقط، وكان فيه دفاتري التي اجتهدتُ في تلخيصها، وفي كتابتها، وبعدما رأيت ذلك هربتُ، وبعد نصف ساعةٍ سقط البيت على ما فيه، والذي أحزنني تلك الدفاتر التي اجتهدتُ في تلخيصها، ولكن كان مع زملائي دفاتر، وإن لم تكن وافية، فواسوني - جزاهم الله خيراً - ورجعت إلى المذاكرة، ووفق الله أن أنهينا تلك السنة، بعد مدةٍ بحثتُ عن تلك الدفاتر، ووجدتها قد، غمرها ذلك الماء، ولم أستفد منها شيئاً، هذا هو الذي أحزنني في تلك السنة.

*هل تجيد بعض اللغات؟
- ما تعلّمتُ شيئاً من اللُّغات، ولا تيسر لنا تعلّمها، وذلك لأنها إنما جاءت بعدما تجاوزنا تلك المراحل، والإنسان إذا طعن في السنّ صعب عليه أن يتعلّم تلك اللُّغات الأجنبية.
تابع الحلقة الثالثة


* هل تحفظ من منظومة الحريري شيئا؟
- الحريري له المقامات، كنت قديماً أقرأ فيها، وكان من مشايخنا في الرين، شيخنا الشيخ صالح بن مطلق - رحمه الله - ضرير البصر، ولكنه آية في الحفظ، فكان يحفظ المقامات، وكان يأتينا في قريتنا، ومع ذلك يسرد مقامتين، أو ثلاث مقاماتٍ في المجلس الواحد، وكذلك - أيضاً - رزقه الله الحفظ، يحفظ زاد المستقنع بأكمله، ويحفظ نظماً أكثر من ثمانين ألف بيتٍ، فأعجبنا بحفظه لهذه المقامات، ولكن لم نقدر على أن نقرب من حفظه، ولا أن نحفظ شيئاً منها، إلاّ جملاً يسيرة، أو قصيدةً في آخر المقامات، كان يحثّنا على حفظها، منها: قصيدةٌ رباعية، مبدؤها قوله:
خلِّ ادّكار الأربعِ
والمعهد المرتبعِ
والظاعن المودّعِ
وعدِّ عنه ودعِ.
واندب زماناً سلفَا
سودتَ فيه الصحفَا
ولم تزل معتكفا
على القبيح الشنعِ.
كم ليلةً أودعتها
مآثماً أبدعتها
لشهوةٍ أطعتها


في ملعبٍ ومرتعِ.


*هل سبق ان نظمتم أبياتاً؟
- كان والدي - رحمه الله - ينظم الشعر نبطياً وعربياً، وكذلك - أيضاً - أخٌ لي شقيق، اسمه عبد العزيز رحمه الله، كان - أيضاً - معه قدرة على نظم الشعر، عربياً ونبطياً، وأخي الموجود، سعود بن عبد الرحمن، أيضاً له قصائد كثيرةٌ في مواضيع مهمّة، وأمّا أنا فلم أنظم شيئاً.
علاقتي بالشيخ ابن عثيمين



* هل لك علاقة بالشيخ محمد بن عثيمين -رحمه الله-؟
- رأيت الشيخ - رحمه الله - في سنة 1380ه عندما قدمنا من الرحلة الطويلة من الشمال، اجتمعنا به في بريدة، في ذلك الوقت ما كان قد ألّف إلاّ مختصر الحمويّة، فزودنا منه بنسخة، في ذلك العام أعجبتُ به وبمجالسته، وبالبحث معه، وبعدما انتظمنا في التدريس كان يأتي إلى الرياض، فيزورنا في معهد إمام الدعوة، ويلقي على الطلاّب نصائح، ونحرص على وجوده، ونجلس معه في المجالس التي كان يستضاف فيها، ثمّ لم تنقطع الصلات والعلاقات بيننا وبينه، سواء نأتيه في القصيم، أو يأتينا في الرياض، وكذلك - أيضاً - صحبناه مرّةً أو مرّتين في التوعية في زمن الحجّ؛ لأنه كان ممّن ينتدب للتوعية في زمن الحجّ، فكنّا نختار أن نكون في القسم الذي هو فيه.

مدة ختم القرآن؟!


*متى تختم القرآن؟
- لا شكَّ أننا في هذه الأزمنة انشغلنا كثيراً، وشغلنا عن مراجعة القرآن، أتذكّر قبل أربعين سنة أو نحوها، يعني في حدود 1386ه أو قبل ذلك أنني أختم القرآن في كلِّ أسبوع، وأواظب على ذلك، ولكن في هذه الأزمنة، مع كثرة الأعمال لا يتيسّر ختمه إلاّ في كلِّ عشرين يوماً، أو قريباً من ذلك، عندنا تصحيح كتب، يأتي بها كثير من الأخوة يرغبون أن نقدّم لها، وكذلك - أيضاً - من مؤلّفاتنا، وذلك لأنّ بعض الأخوة يسجلّون لنا محاضرات، فنحتاج إلى مراجعة تلك المحاضرات، حتى نصححها، وتصلح للطبع، والمراجعة تأخذ وقتاً.
كذلك قمنا بشرح زاد المستقنع في الجامع الكبير؛ وذلك لأنّ الشيخ عبد العزيز - رحمه الله - استخلفنا في الجامع، عندما لم يجد من يقوم به في حال غيبته في الإجازة الصيفية، ولمّا قمتُ بذلك في سنة 1397ه ابتدأتُ أدرِّس فيه، فشرحتُ زاد المستقنع، وسجّل، وشرحتُ بلوغ المرام، وسجّل أيضاً، ثم بدأنا نشتغل بتصحيحه.
كذلك أيضاً شرحنا على الرحبية، وشرحنا على الورقات في أصول الفقه، لتصحيحه، وشرحنا على الآجرّومية في النحو.
وكذلك - أيضاً - نحتاج إلى مطالعةٍ لبعض الدروس وبعض المسائل التي نشتغل بها، وكذلك - أيضاً - نجعل وقتاً للأسئلة الهاتفية؛ لكثرة الذين يحتاجون للإجابة على الهاتف، بعد العصر، وبعد الظهر، وأحياناً بعد العشاء، وتأخذ وقتاً، ولو جلسنا عند الهاتف لما تفرَّغنا؛ لكثرة الذين يتّصلون، وعندهم أسئلةٌ، وعندهم مشكلات.
وهكذا - أيضاً - كثرة المراجعين، الذين عندهم مشكلات، والذين يريدون أن نشفع لهم، أو نخفّف عنهم بعض ما وقعوا فيه من الأزمات، هذه كلُّها تأخذ وقتاً، وإلاّ كنّا نودّ أن نعود إلى ما كنّا عليه؛ لنقرأ القرآن كلّ أسبوعٍ، أو كلّ عشرة أيام.


التفرغ للرقية


* هل تفرغتم للرقية؟
- امتنعتُ أن أرقي أحداً من المصابين، لكن في بعض الأحيان الأقارب الذين لابدّ من رقيتهم نرقيهم رقيةً عادية، ولا أذكر انني رقيت أحداً من المصابين، لكن يأتينا كثيرٌ يرغبون أن نقرأ لهم، في ماءٍ، أو في زيتٍ، أو في عسلٍ، ونتجاوب معهم، ولو كان ذلك يأخذ علينا وقتاً.


نصائح إلى طلبة العلم


* هل من نصيحة لطلاب العلم؟
- ابتدأنا في التدريس الذي في البيت، أو في المسجد في حدود سنة 1385ه ولمّا توفّي الشيخ محمد بن إبراهيم - رحمه الله - سنة 1389ه ونقل الشيخ عبد العزيز من مسجد آل حمّاد، استخلفني في المسجد، الذي هو مسجد آل حمّاد، وكان بقربه سكن طلاب مدرسة ابن سنان، وكان ابن سنان - رحمه الله - يحثني على أن أواصل الدراسة والتدريس لهم، فكان - أيضاً - يتابعهم، ومعروفٌ أنّ الناس يتفاوتون، فيهم الحريص وفيهم غير الحريص، وهؤلاء الذين لا يواصلون ولا يواظبون ذكرناهم له، فكان بعد ذلك يعاتبهم على ذلك التخلُّف، كنّا نقرأ أو نلزمهم بقراءة المتون، مثل: ثلاثة الأصول، وكشف الشبهات، والعقيدة الواسطية، ومتن كتاب التوحيد، وآداب المشي إلى الصلاة، فالذين أعجبنا جدّهم ورأيناهم - والحمد لله - قد تفوقوا، وقد زادوا على غيرهم، وصاروا ذوي رتبٍ عالية، وأخذوا شهاداتٍ رفيعة.
والكثير منهم لا يقصدون مؤهّلاً، وإنما يقصدون العلم، فرأينا أنّ هؤلاء الذين يقصدون العلم للفائدة هم المؤهلون لأن يشجّعوا، أمّا الذين يقصدون مؤهِّلاً فرأينا منهم عدم المواظبة، وعدم المسارعة إلى المجالس، وإلى الحلقات، كان هذا ممّا لاحظناه قديماً وحديثاً، أنّ الذين يقصدون أن يكونوا من أهل العلم، ومن أهل الفهم، ومن أهل التحصيل يبرزون، وذلك بمواظبتهم، وبكثرة إقبالهم على هذه الدروس، ومتابعتهم لها عدّة سنين، يعني: من سنة 1387ه أو 1386ه كان كثير منهم يواظب على ذلك، ثمّ رأينا كثيراً منهم انقطعوا، فعرفنا أنّ أولئك ما كان مقصدهم العلم، كان يدرس علينا لماّ كلَّفنا الشيخ عبدالعزيز بن باز -رحمه الله - أن أقيم درساً في مسجد عتيقة، بعدما عمر عمارته الموجودة الآن، فابتدأ أحدُ الطلاب يقرأ علينا في كتاب (الروض المربع)، واستمرَّ على ذلك إلى أنهينا كتاب الزكاة، ثمّ انقطع، كذلك - أيضاً - كثير الذين ذكر أنهم واظبوا ثمّ تأخروا وتخلّفوا. نتذكّر - أيضاً - أنّنا أقمنا درساً في المسجد الذي بقرب المنزل، ويسمّى مسجد الحمادي، في السبالة، كان يحضر عندنا كثير، ولمّا انتهينا من دورةٍ، أو دورتين انقطعوا.
كذلك - أيضاً - كان بعضهم حريصاً على المتابعة، وحريصاً على الزيارة وعلى المجالسة، وبعد ذلك توقّفوا، انقطعوا أو أكثرهم، لا أحصي الذين كانوا يقرؤون عندنا في ذلك المسجد، مسجد آل حمّاد، ومسجد الحمّادي، ثمّ انقطعوا، حتى إننا لم نرهم من عشرين سنة، أو من خمس عشرة سنةً، لا ندري، هجروا تلك المجالس، وحتى هجروا زيارتنا، مع ملازمتنا أكثر من عشر سنين، أو ثمان سنين، وهم ملازمون لتلك الدروس، ولعلّ بعضهم له عذر، ولعلّ بعضهم انتقل خارج الرياض وابتعد عنها، فنعذرهم، وأمّا الذين يعرفون المكان، ويتردّدون إلى الرياض، ومع ذلك لا يزوروننا، ولا يراجعون، أو يجدّدون اللِّقاء فإننا لا نعذرهم، وبكلّ حال فإنّ طالب العلم الذي يريد الفائدة هو الذي يواصل، ولا يتوقّف، تذكرون ما نقل عن الإمام أحمد - رحمه الله - أنه مات وهو يحمل المحبرة، (الدواة ) وكان يقول: من المحبرة إلى المقبرة، أي: يلازمها، مع أنه مات وعمره 77 سنة.
وكذلك - أيضاً - كثيرٌ من العلماء يقولون في وصيتهم لطلاّبهم: طلب العلم من المهد إلى اللّحد، أي لا تنقطع، فالذي يخيّل إليه أنه قد استغنى عن الطلب، وأنه قد اكتفى بما حصَّل نقول له: إنك مخطئ، وإن الإنسان بحاجةٍ إلى أن يتزوّد، وإن لم يكن هناك شخصٌ واحدٌ تخصّه لكن لا تنقطع عن طلب العلم، إذا ابتعدت فاطلب العلم على أقرب من يمكنك القراءة عنده، أو حضور مجالسه، أو كذلك بالوسائل الأخرى، ولا تستغنِ عن الطلب، فتضيع عليك معلوماتك.
ومن المشاهد أنّ الإنسان الذي يتعلّم برهةً من الزمن، ثمّ ينقطع ينسى ما علم، واجتهاده الذي بذله يذهب عليه، بحيث إنك تسأله: أنتَ قرأتَ في كتاب كذا وكذا، فماذا تحفظ من الفوائد التي مرّت بكَ ؟ فلا يذكر شيئاً، وهذا لا شكّ أنه من الحرمان، نعوذ بالله من الحرمان.


__________________

ولرب نازلة يضيق بها الفتى
ذرعا وعند الله منها المخرج
ضاقت فلما استحكمت حلقاتها
فرجت وكان يظنها لا تفرج
رد مع اقتباس
قديم 14-Jul-2009, 12:31 AM   رقم المشاركة : [2 (permalink)]
كاتب مبدع

 الصورة الرمزية صالح بن سعد
 



افتراضي

الله يبيض وجهك يا ابو عبدالعزيز على الطرح الرائع ..


رحم الله الشيخ بن جبرين

دمت بخير

توقيع صالح بن سعد
 
سبحان الله وبحمده سبحان الله العظيم
صالح بن سعد غير متواجد حالياً   رد مع اقتباس
قديم 14-Jul-2009, 02:42 PM   رقم المشاركة : [3 (permalink)]
مشرف ساحة صورتي
عضو الإتحاد الأمريكي لجيولوجي البترول (AAPG)

 الصورة الرمزية عبدالرحمن عبدالعزيز
افتراضي

بارك الله فيك اخي ابو سعد
واشكر لك مرورك العطر


وتقبل خالص التحايا
توقيع عبدالرحمن عبدالعزيز
 

ولرب نازلة يضيق بها الفتى
ذرعا وعند الله منها المخرج
ضاقت فلما استحكمت حلقاتها
فرجت وكان يظنها لا تفرج
عبدالرحمن عبدالعزيز غير متواجد حالياً   رد مع اقتباس
قديم 14-Jul-2009, 09:27 PM   رقم المشاركة : [4 (permalink)]
كاتب محترف

 الصورة الرمزية سا لم القرني
افتراضي

رحم الله الشيخ بن جبرين



دمت بخير

توقيع سا لم القرني
 
سا لم القرني غير متواجد حالياً   رد مع اقتباس
قديم 16-Jul-2009, 08:43 AM   رقم المشاركة : [5 (permalink)]
كاتب محترف

 الصورة الرمزية المحقق كونان
 




افتراضي

يجب أن يكون لديك مشاركة واحدة على الأقل حتى تتمكن من مشاهدة الرابط

توقيع المحقق كونان
 
]
المحقق كونان غير متواجد حالياً   رد مع اقتباس
قديم 16-Jul-2009, 01:38 PM   رقم المشاركة : [6 (permalink)]
مشرف ساحة صورتي
عضو الإتحاد الأمريكي لجيولوجي البترول (AAPG)

 الصورة الرمزية عبدالرحمن عبدالعزيز
افتراضي

سالم القرني
المحقق كونان
اشكر لكما مروركما
اجمل التحايا
توقيع عبدالرحمن عبدالعزيز
 

ولرب نازلة يضيق بها الفتى
ذرعا وعند الله منها المخرج
ضاقت فلما استحكمت حلقاتها
فرجت وكان يظنها لا تفرج
عبدالرحمن عبدالعزيز غير متواجد حالياً   رد مع اقتباس
إضافة رد

مواقع النشر (المفضلة)

أدوات الموضوع
انواع عرض الموضوع

تعليمات المشاركة
لا تستطيع إضافة مواضيع جديدة
لا تستطيع الرد على المواضيع
لا تستطيع إرفاق ملفات
لا تستطيع تعديل مشاركاتك

BB code is متاحة
كود [IMG] متاحة
كود HTML معطلة
Trackbacks are متاحة
Pingbacks are متاحة
Refbacks are معطلة

المواضيع المتشابهه
الموضوع كاتب الموضوع المنتدى مشاركات آخر مشاركة
قطوف من محاضرة فضيلة الشيخ د. عوض القرني: منهج الاعتدال سعيد بن عبدالعزيز الـساحه الاسلامية 2 06-Nov-2007 11:32 PM
تاريخ المملكه العربيه السعوديه قناص بلقرن الســاحة العامة 3 04-Sep-2007 01:29 AM
طرائف الأئمة وطلبة العلم . زين الـساحه الاسلامية 3 05-Jun-2007 12:54 AM
قائمة بأسماء جميع أعضاء شرف نادي الهلال (النادي الملكي ) مجروحه واكابر السـاحة الريـاضية 4 09-May-2007 12:17 PM
ارقام هواتف بعض المشائخ والدعاه جُمِعت من هنا وهناك نسأل الله الأجر بها مجروحه واكابر الـساحه الاسلامية 8 22-Apr-2007 08:56 AM


الساعة الآن 02:48 PM.


Powered by vBulletin® Version 3.7.3, Copyright ©2000 - 2018, Jelsoft Enterprises Ltd