(....وازهد فيما عند الناس يحبك الناس)
دارُالغُرُورِ
إلى باب الكريمِ شددتُ رحلي
كما يهفو لموطِنِهِ الغريبُ
ويممتُ الذي من يرتجِـيهِ
بخالصةِ المقاصدِ لا يخيبُ
وأَعلمُ أن للدنيـا ورودا
وأن المكثَ فيها لا يطيب
وأعلم أن من علقت مُناهُ
بها فمناطُهُ –أبدا - كذوب
يعيش المرءُ زهرتَهَا وتهفو
لزينتِها المشاعرُ والقلوب
وينسى العبدُ أن لها أفولا
ومن ألقتهُ عنها لا يؤوب
هي الدنيا محبُّوها كثيرٌ
ويحذرُها من الناسِ اللبيب
وأمُّ الشؤمِ إذ أكلت بنيها
وفيها ضَلَّ شبانٌ وشيب
تزيَّن ثم تنكُثُ كلَّ وعدٍ
كما نكثت بموعدِها اللَّعوب
خبرتُ سرورَها فرأيتُ قفرا
وآصالا ينازعُها الغُرُوبُ
رأيت العاشقين لها تفانَوا
وكلُّ مُتَيمٍَّ فيها غريب
إذا نافستَ في الدنيا قريبا
فأولُ من يعاديك القريب
وإن صافيتَ للدنيا حبيبا
فأحرى من يجافيك الحبيب
وأدومُ خُلَّةٍ ما كان منها
نقيا لا يُزَنُّ بما يشوب
علاقاتُ الحياةِ لها انقضاءٌ
وموردُ أهلِها كَدِرٌ نَضُوب
فحاذر ما استطعتَ وكن مُخِفًّا
إذا عصفت بصاحبِهَا الذنوب
إذا عنتِ الوجوهُ لهولِ يومٍ
به تبدو المخازي والعيوب
وجاء الظالمون بلا شفيعٍ
وسُدَّت في وجوهِهِمُ الدروب
فلا مالٌ يردُّ الكربَ عنهم
ولا نسبٌ هناك ولا نسيب
فيا بُشرَى لمن سلمت خطاهُ
وخاب العاجزُ الدنِسُ الكئيب
هي الدنيا لذاذتُهَا غرورٌ
وما أَبقتهُ جرحٌ لا يطيب
هي الصحراءُ والسارون هلكَى
وقد يعيا بها الفَطِنُ الأريب
وكم مستسلمٍ قتلـتهُ صبرا
فلا طِبٌّ يقيهِ ولا طبيب
أبعدَ الشيبِ تَجْهَدُ في هواها؟!
وقد عاثت بلِمَّتِكَ الخُطوب
لقد صاحبتُها زمنَ التصابي
فنالتني بصحبَتِها الكروب
خَلُوبٌ من يُغَرُّ بها تردَّى
وماكِرَةٌ تقلُّبُها عجيب!
لقد عانيتُ فتنتَها زمانا
تراودُني وبهرجُها رهيب
فآثرتُ الترحُّلَ عن حماها
إلى من ظلُّ رحمتِهِ قريب